ابن عربي

256

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) الصوم هو الإمساك والرفعة يقال صام النهار إذا ارتفع ، ولما ارتفع الصوم عن سائر العبادات كلها في الدرجة سمي صوما ، ورفعه سبحانه بنفي المثلية عنه في العبادات وسلبه عن عباده مع تعبدهم به وأضافه إليه سبحانه ، أخرجه النسائي عن أبي أمامة قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقلت : مرني بأمر آخذه عنك ، قال : عليك بالصوم فإنه لا مثل له ، وورد في الخبر أن اللّه تعالى يقول : الصوم لي وأنا أجزي به ، وخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم إني صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه يوم القيامة من ريح المسك ، وللصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه عزّ وجل فرح بصومه ] واعلم أن الصوم المشروع منه واجب ومنه مندوب إليه ، والواجب على ثلاثة أنواع : منه ما يجب بإيجاب اللّه تعالى ابتداء وهو صوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، أي في صيامه أو عدة من أيام أخر ، في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا ، وفي حق المريض ، ومنه ما يجب لسبب موجب ، وهو صيام الكفارات ، ومنه ما يجب من اللّه بما أوجبه الإنسان على نفسه وهو غير مكروه ، وهو صوم النذر ، فإنه يستخرج به من البخيل ، وما ثم واجب غير ما ذكرنا ، والصوم عمل مستور عن كل ما سوى اللّه ، لا يعلمه من الإنسان إلا اللّه تعالى ، لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح ، فهو عمل مستور عن كل ما سوى اللّه ، لا يعلمه من الصائم إلا اللّه تعالى ، والصائم هو الذي سماه الشرع صائما لا الجائع - إشارة واعتبار - لو علم الإنسان من أي مقام ناداه الحق تعالى بالصيام في قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وأنه المخاطب

--> بالكل ( 184 ) « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ » الآية ، يقول : فرض عليكم الصيام ، وهو الإمساك عن كل ما أمر الشرع أن يمسك عنه الصائم ، من طلوع الفجر المستطير إلى غروب